ابن قيم الجوزية
403
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
فهذا التحقيق في أمرها . والمقصود : أن قوله : لَمْ يَكَدْ يَراها إما أن يدل على أنه لا يقارب رؤيتها لشدة الظلمة ، وهو الأظهر . فإذا كان لا يقارب رؤيتها فكيف يراها ؟ قال ذو الرمة : إذا غيّر النأى المحبين ، لم يكد * رسيس الهوى من حب ميّة يبرح أي لم يقارب البراح . وهو الزوال . فكيف يزول ؟ . فشبه سبحانه أعمالهم أولا في فوات نفعها وحصول ضررها عليهم بسراب خداع يخدع رائيه من بعيد ، فإذا جاءه وجد عنده عكس ما أمّله ورجاه . وشبهها ثانيا في ظلمتها وسوادها لكونها باطلة خالية عن نور الإيمان بظلمات متراكمة في لجج البحر المتلاطم الأمواج ، الذي قد غشيه السحاب من فوقه . فيا له تشبيها ما أبدعه ، وأشد مطابقة لحال أهل البدع والضلال ، وحال من عبد اللّه سبحانه وتعالى على خلاف ما بعث به رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم وترك به كتابه . وهذا التشبيه هو تشبيه لأعمالهم الباطلة بالمطابقة والتصريح ، ولعلومهم وعقائدهم الفاسدة باللزوم . وكل واحد من السراب والظلمات مثل لمجموع علومهم وأعمالهم ، فهي سراب لا حاصل لها ، وظلمات لا نور فيها . وهذا عكس مثل أعمال المؤمن وعلومه التي تلقاها من مشكاة النبوة . فإنها مثل الغيث الذي به حياة البلاد والعباد . ومثل النور الذي به انتفاع أهل الدنيا والآخرة . ولهذا يذكر سبحانه هذين المثلين في القرآن في غير موضع لأوليائه وأعدائه .